ابن أبي شريف المقدسي
46
المسامرة شرح المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة
واستدل على إثبات صفة القدم « 1 » بقوله : ( لأنّه لو كان حادثا افتقر إلى محدث ، فينتقل الكلام إلى ذلك المحدث ، فإن كان قديما فهو المراد باللّه ) أي : فهو مسمى كلمة الجلالة ( وإلّا ) أي : وإن لم يكن قديما كان حادثا و ( نقلنا الكلام إلى محدثه وهكذا ، فإن تسلسل ) لا إلى نهاية ( لزم عدم حصول حادث منها أصلا ) كما ذكرناه في الأصل السابق من أن المحال الذي هو وجود حوادث لا أول لها يستلزم استحالة وجود الحادث الحاضر ، وهو خلاف المعلوم ضرورة ، بل اللزوم هنا ( بأولى ) أي : بطريق هو أولى ( مما ذكرناه ) أي : من الطريق الذي ذكرناه ( في ) استلزام ( حوادث لا أول لها ) استحالة وجود الحادث الحاضر ( لأن هذا الترتيب علّيّ ، ) أي : ترتيب معلول على علة ، فكل مرتبة من مراتبه علة لوجود ما يليها ( غير أن إيجاد كل للآخر ) الذي يليه ( بالاختيار ) كما ينبه عليه قولهم : « افتقر إلى محدث » . وهذا الاستدراك للتنبيه على أن قولنا : « عليّ » ليس على طريقة الفلاسفة ، وهي أن العلة توجب المعلول « 2 » . ( وذلك ) الطريق المذكور في حوادث لا أول لها ( لم يفرض فيه غير مجرّد ترتب تلك الحوادث ، ) في الوجود دون تعرّض لكون كل منها علة لوجود ما يليه ( لكن حصول الحوادث ثابت ) ضرورة بالحس والعقل ( فيجب أن ينتهي ) حصولها في الوجود ( إلى موجد لا أوّل له ، ولا يراد بالاسم الذي هو اللّه إلا ذلك ) الموجد الذي لا أول له ( تعالى وتقدّس عن كل نقيصة ) سبحانه . قال إمام الحرمين رحمه اللّه تعالى في « الإرشاد » : « فإن قيل في إثبات موجود لا أول له إثبات أوقات متعاقبة لا نهاية « 3 » لها إذ لا يعقل استمرار وجود إلا في أوقات ، وذلك يؤدي إلى إثبات حوادث لا أول لها « 4 » ، أي : وقد تبين بطلانه .
--> ( 1 ) في ( ط ) : القديم . ( 2 ) العلة توجب المعلول عند الفلاسفة : وهو الذي يسمى بالإيجاب بالذات ، وسيأتي تعريفه . ( 3 ) في ( ط ) : أول . ( 4 ) أي التسلسل : وهو أن يستند وجود الممكن إلى علة مؤثرة فيه ، وتستند هذه العلة إلى علّة مؤثرة فيها ، وهي إلى علّة ثالثة مؤثرة فيها ، وهكذا تسلسلا مع العلل دون نهاية ، والبداهة تثبت استحالة التسلسل ، وقد أضيف إلى البداهة أدلة أخرى أهمها وأوضحها برهان التطبيق ، وقد صيغ على الشكل التالي : لو كان هذا التسلسل جائزا عقلا ، لكان العدد الأقل مساويا للعدد الأكثر ، لكنّ العدد لا يكون بحال من الأحوال مساويا للعدد الأكثر إذن فالتسلسل غير جائز عقلا .